بقلم حسن النجار.. جولة الرئيس لآسيا تعيد رسم خريطة المصالح المصرية عالميًا
حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
بقلم | حسن النجار
تمثل جولة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا تحركًا مهمًا في مسار السياسة الخارجية المصرية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، وتزايد أهمية تنويع الشراكات السياسية والاقتصادية بعيدًا عن الاعتماد على دوائر التعاون التقليدية.
فالعالم يتجه نحو تعددية أكبر في مراكز القوة، وهو ما يفرض على الدول الساعية إلى تعزيز مكانتها البحث عن فرص جديدة للتعاون والاستثمار وبناء المصالح المشتركة.

ومن هذا المنطلق، تكتسب الجولة الآسيوية أهمية تتجاوز حدود الزيارات الرسمية، إذ تفتح المجال أمام مصر لتعزيز حضورها في منطقة جنوب شرق آسيا، التي تضم اقتصادات صاعدة وأسواقًا واسعة ومراكز متقدمة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والتجارة الدولية.
كما تتيح هذه التحركات فرصًا أوسع لتطوير العلاقات مع دول رابطة جنوب شرق آسيا «آسيان»، بما يدعم تنويع الشركاء التجاريين والاستثماريين ويمنح الاقتصاد المصري مساحات إضافية للحركة في الأسواق العالمية.
سياسيًا.. توافق في الرؤى تجاه أزمات الشرق الأوسط
على الصعيد السياسي، تبرز أهمية التنسيق بين القاهرة وشركائها الآسيويين بشأن القضايا الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الأوضاع في قطاع غزة ولبنان، وضرورة وقف التصعيد العسكري وحماية المدنيين واحترام قواعد القانون الدولي.
كما تمثل القضية الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس حل الدولتين مساحة مهمة للتفاهم والتنسيق بين الدول المعنية بتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
وتؤكد هذه الملفات أن الدبلوماسية المصرية لا تنفصل عن تحركاتها الاقتصادية، بل تسعى إلى بناء شبكة من العلاقات الدولية التي تدعم المصالح الوطنية، وتعزز فرص التعاون في مواجهة الأزمات، وتوسع نطاق الحوار مع القوى الإقليمية والدولية المؤثرة.
فكلما تعددت قنوات التواصل والشراكة، ازدادت فرص مصر في الدفاع عن رؤيتها السياسية وتوضيح مواقفها تجاه القضايا التي تمس الأمن والاستقرار الإقليميين.
اقتصاديًا.. التكنولوجيا والصناعة بوابة جديدة للتعاون
ولا تقتصر أهمية التحرك المصري نحو آسيا على الأبعاد السياسية، بل تمتد إلى بناء شراكات اقتصادية تستفيد من الخبرات المتقدمة التي تمتلكها كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والاتصالات والطاقة المتجددة وصناعة السيارات الكهربائية.

وتتمثل الفرصة الحقيقية أمام مصر في تحويل الاتفاقات والتفاهمات إلى مشروعات إنتاجية واستثمارات مستدامة، تسهم في نقل التكنولوجيا وتدريب العمالة وخلق فرص العمل وزيادة الصادرات.
كما يمكن الاستفادة من الموقع الجغرافي المصري، وشبكة الموانئ والطرق والمناطق الصناعية، لتعزيز دور البلاد بوصفها مركزًا للإنتاج والتصنيع والتصدير إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.
غير أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب العمل على إزالة المعوقات أمام الاستثمار، وتوفير بيئة أعمال تنافسية، وربط الشراكات الخارجية باحتياجات الاقتصاد المحلي، بحيث لا تظل العلاقات الاقتصادية محصورة في تبادل الزيارات وتوقيع مذكرات التفاهم، وإنما تتحول إلى مشروعات قابلة للتنفيذ ونتائج ملموسة يشعر بها المواطن المصري.
وإلى جانب السياسة والاقتصاد، تمتلك مصر رصيدًا ثقافيًا ودينيًا يمكن توظيفه لتعميق علاقاتها مع شعوب جنوب شرق آسيا، خاصة في ماليزيا وإندونيسيا، حيث يحظى الأزهر الشريف بمكانة علمية ودينية بارزة لدى قطاعات واسعة من المسلمين.
ويمثل هذا الرصيد أحد مكونات القوة الناعمة المصرية، من خلال التعليم والتبادل الثقافي والمنح الدراسية والتواصل بين المؤسسات الدينية والعلمية.
كما يسهم في بناء علاقات طويلة الأمد تتجاوز المصالح الاقتصادية الآنية، وتدعم التفاهم المتبادل بين الشعوب، وهو ما يمنح الدبلوماسية المصرية بعدًا إنسانيًا وثقافيًا مهمًا.
وفي تقديري، فإن أهمية الجولة الآسيوية تكمن في ارتباطها بتحول أوسع في طبيعة العلاقات الدولية، حيث لم يعد تنويع الشراكات خيارًا ثانويًا، بل أصبح أحد المسارات المهمة لتعزيز قدرة الدول على حماية مصالحها ومواجهة التقلبات الاقتصادية والسياسية العالمية.
إن بناء علاقات متوازنة مع القوى الآسيوية الصاعدة، إلى جانب استمرار التعاون مع الشركاء العرب والأفارقة والأوروبيين، يمنح مصر فرصًا أوسع للتحرك في الملفات السياسية والاقتصادية، ويعزز قدرتها على الاستفادة من التحولات الجارية في موازين القوى العالمية.
لكن نجاح هذا التوجه سيظل مرهونًا بمدى القدرة على تحويل التقارب السياسي إلى نتائج عملية، وجذب استثمارات نوعية، وتوطين التكنولوجيا، وزيادة الإنتاج والصادرات، وتوسيع فرص العمل. فالعبرة ليست بعدد الزيارات الخارجية، وإنما بما تتركه من أثر مستدام في الاقتصاد الوطني ومكانة الدولة وعلاقاتها الدولية.
ختامًا، تفتح الجولة المصرية في آسيا نافذة مهمة أمام توسيع دوائر التعاون الدولي، وتعزيز الحضور المصري في منطقة ذات ثقل اقتصادي وتكنولوجي متنامٍ.
وإذا اقترنت التحركات الدبلوماسية بخطط تنفيذية واضحة وشراكات إنتاجية حقيقية، فقد تسهم في دعم مكانة مصر داخل نظام دولي متعدد الأقطاب، بما يخدم التنمية المستدامة ويحافظ على المصالح الوطنية ويدعم الأمن والاستقرار.








